تطبيق قواعد تحكيم المواد العلمية على رسالة: (الطلاق والدور الوظيفي للأسرة المصرية) (2024)

تطبيق قواعد تحكيم المواد العلمية على رسالة ماجستير بعنوان: (الطلاق والدور الوظيفي للأسرة المصرية - دراسة ميدانية لأسر الطلاق بمدينة بني سويف) مقدمة إلى قسم الاجتماع بكلية الآداب جامعة بني سويف ونوقشت في يوم الأحد 6/5/2012

خطاب المناقشة

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، وصلاةً وسلامًا على سيدنا محمَّد وعلى آلِه وصحْبه وسلَّمَ.

هذه هي المرَّة الثانية التي أتشرَّف بها بمُناقشة رسالة في قسم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة بني سويف، وأشكُر فيها الأخ والصَّديق الأستاذ الدكتور "جَلال مَدبولي" على استِضافته لي في هذا المكان المحبَّب إلى نفْسي، والذي أَحمِل له أطيب ذِكرياتٍ، مع أساتذة وزملاء أفاضِل، وأبناء أحبُّوني وأحببْتُهم، وعلى رأسِهم الأخ العزيز الدكتور "جمال عبدالمطلب"، ومِن دواعي سُروري أن أتشرَّف اليوم - ولأوَّل مرَّة - بمُشارَكة الأخِ والصَّديق العزيز الأستاذ الدكتور "كمال الزيَّات" في مُناقشَة رسالة بهذا القِسْم الموقَّر.

بارَك الله فيهم جميعًا، وبارَك في الحُضور، وشُكرٌ خاصٌّ للباحِثة التي كانت سببًا في اجتماعِنا هذا.

والسلام عليكم ورحمَة الله وبرَكاته.

حيثيات المناقشة

رِسالة أشرَف عليها الأستاذ الدكتور "جلال مدبولي" كيف لي أنْ أُناقِشَها! وعُذري أنَّني تعودتُ مع صديقي - بلْ أستاذي - الدكتور "جلال" على أنْ نتحاوَر سويًّا، ونتبادَل وجهات النَّظَر، ودائمًا ما يكون ذلك في مصلحة طلابِنا الأعزَّاء.

أَعتقِد تمامًا بأنَّ الغرَض مِن مُناقَشة أيَّة رسالة ليس الحُكم على رسالة الباحِث فقط؛ وإنَّما أن يُقدِّم المُناقِش الجديدَ الذي يُمكِن أن يَستفيد منه الباحِث عند إعدادِه لرسالة "الدكتوراه" بإذْن الله، وكذلك الباحِثون الآخَرون الحاضِرون لهذه المُناقَشة.

ومِن هذا المُنطلَق حرَصْتُ اليومَ على اتِّباع أسلوب مُختلِف قَليلاً في مُناقَشة الباحِثة، عن هذا الأسلوب الذي اتَّبعتُه في المُناقَشة الأولى، حَرصْتُ في هذا الأسلوب الجَديد على بيان المعايير التي اتَّفق عليها مُعظَم العُلماء والأساتذة في الحُكم على الرسائل والأبحاث العلميَّة، ثمَّ الوقوف على مدى قُربِ أو بُعدِ رسالة الباحِثة عن هذه المعايير؛ بَدءًا مِن العُنوان، وانتهاءً بالنتائج والتَّوصِيات وتوثيق المَراجِع.

يَشترِط العلماء والمتخصِّصون في مسألة الحُكم على الرسائل والأبحاث العلميَّة ضَرورةَ توافُر عدَّة شروط في البحْث الجيِّد.

أوَّلاً: عُنوان الرِّسالة:

1 - أن يَكون العُنوان مُحدَّدًا، وواضِحًا، ومُختصَرًا، ومُرتَبِطًا بأهداف الرِّسالة ومُشكِلتها وأسْئلتِها.

2 - لا بدَّ أن يَحتوي عُنوان الخطَّة على المتغيِّر المُستقلِّ، والمتغيِّر التابع للدِّراسة؛ بحيث يُمكِن أن يتمَّ التعامُل معها إحصائيًّا.

3 - لا بدَّ أن يكون العُنوان قصيرًا، وغير مُملٍّ، وبعيدًا عن الإثارة غير المُفيدة.

4 - ألا يَتجاوَز خمسَ عشْرة كَلِمة.

(عُنوان رسالة الباحثة يَحتوي على كل ذلك، ونحن نشهَد لها بذلك).

ثانيًا: أن يتجنب الباحث الوقوع في الأخطاء اللغوية والإملائية والمطبعية، وأن تتَّسم الرِّسالة بالدقَّة والوضوح في التعبير، والاستِخدام الصَّحيح لعَلامات الترقيم في الرِّسالة، وأين وكيف توضَع؟ مثل: الفاصِلة (،) - الفاصلة التي تحتها نقطة (؛) - النقطة (.) - النقطتان الفوقيَّتان (:) - علامة الحذْف (…) - علامة الاستِفهام (؟) - علامة التعجب (!) - علامات الاقتباس ("..") - الشَّرطة المُعترضة (-) - القَوسان الحاصِرتان ([ ]) – القَوسان ().

الواقِع أن هُناك الكَثير مِن الأخْطاء اللُّغويَّة والإمْلائيَّة والمَطبعيَّة؛ ممَّا يَحتاج الأمر إلى مُراجَعتها قبْل أن توضَع على رفوف المكتبات، لكن أشدُّ هذه الأخطاء هو أن يُفاجأ القارئ في أوَّل صفحة من صفحات الرِّسالة عند كِتابة الشُّكر والتَّقدير عبارة: "أتوجه ساجدتًا شاكرتًا حامدتًا لله سُبحانه وتعالى...."، وقد اتَّسمتْ بعض الفقرات الأُخْرى في الرِّسالة بعدَم الدقَّة في الوضوح والتعبير؛ وقد يَرجِع بعضُ ذلك إلى عدم الْتِزام الباحِثة بعلامات الترقيم إلا بما تَعرِفه عنها ممَّا هو شائع، ومهمَّة علامات الترقيم هي إزالة اللبْس، وإجْلاء المعاني في ذهْن القارئ.

ثالثًا: عدم تكرار فكرة البحث:

بتطبيق هذا المعْيار على رِسالة الباحِثة نجد أنَّ فكْرة البحْث وإن كانتْ مُتكرِّرةً في الكثير مِن البحوث العربيَّة والأجنبيَّة، فإنَّ المُتغيِّر المُستقلَّ للدِّراسة - وهو الدَّور الوظيفيُّ للأسرة - ليس مُتكرِّرًا.

رابعًا: أنْ يُعالِج الباحث قضيَّة بحْثيَّة جديرة بالدِّراسة:

نشهد للباحِثة بذلك؛ خاصَّةً وأنَّ في مصر أكثر مِن 2 مليون ونصف مُطلَّقة، وخَمسٍ وسبعينَ ألْف حالة طَلاق يوميًّا! كما أنَّ هناك ارتفاعًا في مُعدَّلات الطَّلاق في بني سويف، وأخشى أنْ تَتصدَّر صُحفَنا يومًا عناوينُ مُشابهة لتلك التي نشرتْها مجلة "النيوزويك" يومًا تحت عُنوان: "مِن الأيسر لك أن تُطلِّق امرأتَك في أمريكا عن أن تَجد لك "تاكسي" يُقلُّك مِن مكان إلى آخَر".

خامسًا: أن يُقدِّم الباحِث تبريرات مُقنِعة لإجراء الدِّراسة:

نعمْ، قدَّمت الباحِثة هذه التبريرات على المستويَينِ النظريِّ والتطبيقيِّ في مُقدِّمة الرِّسالة.

سادسًا: أن يقوم الباحث بدراسة تَقدير مَوقِف، أو ما اصطُلح عليه بالدراسة الاستطلاعيَّة قبل البدْء في البحْث:

لم تَستوفِ الباحِثة هذا المعْيار، لكنَّ البعْض يَرى أنَّ الدراسة الاستِطلاعيَّة غير مَطلوبة ما دام أنَّ الموضوع سيُدرَس مِن جانبٍ أو آخَر، لكنَّ الذين يُصرِّون على إجراء الدراسة الاستطلاعيَّة قبل إجراء الدراسة الفعليَّة يرون أنها دراسة "تقدير موقف"، ولها عدة فوائد، منها:

التحديد الجيِّد للمجال المكانيِّ.

التعرُّف على طريقة اختيار المعاينة الإحصائيَّة، وتحديد الحجْم الأمثل لحجْم العيِّنة، ولعلَّ حُجَّة الباحِثة هنا قد تكون أنها استخدَمتْ أسلوب المسْح الشامِل، لكنَّه مِن المُهمِّ هُنا أن نُشير إلى أنَّ الباحِثة عنْونَتْ دراستَها بأنها دراسة على الأُسَر المصريَّة، فهل أُسَر الطَّلاق في بني سويف تُمثِّل الأسر المصرية جميعها؟ فلا شكَّ أنَّ هُناك في مصر ثقافات فرعيَّة متعددة؛ (الرِّيف - الحضَر - شَمال الصَّعيد - جنوب الصَّعيد - أهل بحَري - أهْل قِبلي - البدْو - أهْل النُّوبة... إلخ).

ويؤكِّد الباحِثون على أنَّ على الباحِث أن يُوليَ اهتمامًا خاصًّا للدراسات الاستطلاعيَّة؛ لأنَّ مِن شأن هذه الدراسات أن تُبصِّره بمدى وجود مُشكِلة فعليَّة تستحقُّ الدراسة أم لا.

سابعًا: أن يَستنِد الباحِث إلى المصادر الأصليَّة الأوليَّة، سواء بالعربيَّة أو بالإنجليزيَّة؛ مثل دائرة معارف العلوم الاجتماعيَّة، وقواميس علْم الاجتِماع، وغير ذلك:

الكثير مِن المراجع التي استنَدتْ إليها الباحثة مُقتبَسة مِن مَصادر أوَّليَّة، وهناك استِعانة ببعض قواميس علْم الاجتماع، لكنِّي لمْ أرَ أثرًا لاستِخدام الباحِثة لدائرة معارف العلوم الاجتماعية قَديمها وحديثها، ولكنْ كان يَلزمها أن تَستقيَ معلوماتِها - وخاصَّةً في القَضايا الشرعيَّة - مِن مَصادِرها الأصليَّة؛ لكنَّها اعتمدتْ على مَصادر ثانويَّة، ولا يحقُّ لها أن تُبرِّر ذلك بأيِّ تبرير كان.

ثامنًا: أن تتضمَّن الدراسة الأبحاث المُتعلِّقة بها في المؤتَمرات العلميَّة والدوريات المُحكَّمة عِلميًّا والمُعترَف بها عالميًّا مِن عام 2011 فما دونها؛ حتَّى يَقف على آخِر التطوُّرات في دراسته:

لا أجد أثرًا لذلك، بل لا أجد أثرًا حتَّى للدَّوريات العربيَّة في الرِّسالة، ولا للمُؤتَمرات العِلميَّة التي احتوتْ أوراقُها على موضوع دراسة الباحِثة.

تاسعًا: أن يَرجع الباحث لمُلخَّصات الرَّسائل العِلميَّة التي تتناول موضوع دراسته، والمكتوبة بالإنجليزيَّة، وهي مُتوافِرة بمكتبة الجامِعة الأمريكيَّة بالقاهِرة منذ ما يَقرُب مِن نصف قرْن، وهي تحت اسم:"sociological abstract":

لا أجد أثرًا لذلك في الرِّسالة.

ما يتعلَّق بالدراسات السابِقة:

عاشرًا:أن تكون الدراسات السابقة - بالإضافة إلى المَراجِع - حديثةً؛ بحيث لا تَزيد فتْرة نشْرِها عن عشْر سنَوات:

استندَت الباحثة إلى واحد وثمانين مَرجعًا عربيًّا، بلغتْ نسْبة توافُر هذا المعيار فيها أقلَّ مِن عِشرين في المائة، وهُناك مَرجع إنجليزيٌّ واحِد تحقَّق فيه هذا المعيار مِن مجموع سبعة وأربعين مرجعًا.

حادِيَ عشَر: أن يَربط الباحث بين نتائج الدراسات السابقة التي استعان بها وبين نتائج دراسته:

الواقع أنَّ الباحِثة قد قامتْ بذلك، عندما تعرَّضتْ لتأثير الطلاق على مُستوى تحصيل الأبناء (ص: 204)، وعند تعرُّضِها لتأثير الطَّلاق على الحالة الصحيَّة للأبناء (ص: 186)، وعند تعرُّضها لعَلاقة الطَّلاق بالمثال الذي يَحتذِي به الأبناء (ص: 185).

ثاني عشر: أن يكون عرْض وتَحليل الدراسات السابقة متَّسقًا مع القواعد المُحدَّدة علميًّا في هذا المجال:

بتطبيق هذا المعْيار على رسالة الباحثة تبيَّن أنَّ الباحِثة اقتصَرتْ عِند عَرضِها للدِّراسات العشْر على عَرضِ أهدافِ ومَنهج الدِّراسة، وإطارها النظريِّ ونتائجها، ثمَّ أوضحَتْ - أخيرًا - كيف اختلفَتْ دراستُها عن هذه الدِّراسات، والجَديد الذي قدَّمتْه.

الواقِع أنَّ عهْد هذا الأسلوب في عرْضِ وتَحليل الدِّراسات السابِقة قد ولَّى وانتَهى، أمَّا المَنهج الجَديد، فيَقوم على عِدَّة مَحاوِر، أهمُّها الآتي:

(أ) عند استِعراض الباحث للدِّراسات السابِقة يجب أن يَقتصِر على الدِّراسات البارِزة، ذات العَلاقة المُباشِرة بموضوع دراستِه، ويَجب أن يَكون معْيار البُروز هُنا كَون الدِّراسة السابِقة أفردَت الموضوع بعمَل مُستقلٍّ، ثمَّ التي أفردَتْ له فصْلاً، ثمَّ تلك التي أفردَتْ له مَبحثًا مُستقِلاًّ، أو مَطلبًا، أما الفقْرات والإشارات غير البارِزة التي ظهرَتْ عرَضًا في دراسات ليستْ وثيقة الصِّلة بموضوع البحْث، والمعلومات التي صِلَتها ليستْ وَثيقة، فهي تَندرِج ضمن المادة العِلمية التي سوف يؤلِّف منها الباحث صلْب بحثِه.

(ب) مِحور الاهتِمام هو ماذا قالتْ أو ذكرتْ تلك الدراسات السابقة البارِزة مُجتمِعةً حول نُقطة مِن نِقاط البحْث؟ وكيف كتبتْ عن الموضوع؟ وأحيانًا كم عدد الذين كتَبوا في الموضوع؟ وهل آراؤهم مُتَّفقة أم مُختلفة أم مُتعارِضة، وإلى أيِّ درجة؟ وما التوجُّه العام أو السِّمة البارِزة؟ ثمَّ هلْ عالَجتْ هذه الكِتابات - مُجتمِعةً - جميعَ عَناصِر المُشكِلة بشكْل لا يَترُك مجالاً لدراسة أخْرى في الموضوع؟ أم عالجَتْها بشَيء مِن القُصور، أو عالجَتْ بعض عناصِرها فقط بصُورة وافية؟ أم عالَجتْ جميع العناصر ولكنْ بصُورة ضَعيفة، وبمناهِج مُهلهَلة أدَّتْ إلى نتائج خاطئة؟

(ج) على الباحِث أن يُبيِّن نسبة وجود عناصِر دراستِه في كلِّ دراسة سابقة؛ هل تتوفَّر في عَناوينها، أو عناوين موضوعاتها الرئيسة والفرعية - كلُّ العناصر، أو نِسبة سبعين في المائة أو خمسين وأقل... ومِن بينها العُنصر الذي يمثِّل نُقطة الارتكاز؟

(د) يجب أن يوضِّح الباحِث كيف قادتْه الدِّراسات السَّابقة إلى النُّقطة التي بدَأ منها دِراستَه، وكيف تُعتبَر النُّقطة المحْوَريَّة في دِراساته امتدادًا لنتائج الدِّراسات السابِقة.

(هـ) على الباحِث أنْ يُبيِّن كيف لم تتطرَّق الدِّراسات السابقة للمُشكلة مِن الزاوية نفْسها، بالمنهج نفسه، وكيف تأكَّد مِن وجود قُصور مِن حيث المضْمون أو المنهَج، استوجَب إعادة البحْث أو مزيدًا مِن الجُهود البحثيَّة.

(و) ما هي الأفكار التي زوَّدتْه بها الدراساتُ السابقة في موضوع بحثِه مِن زاويَة المنهَج والأدوات، وماهيَّة الإيجابيَّات والسلبيَّات فيهما؟

(ز) ما هي المصادر العلميَّة التي لفتَت الدراساتُ السابقة الباحِثَ إليها ولم يَكنْ يَعرفها؟

(ح) يجب على الباحث بيان ما نبَّهتْ إليه الدراساتُ السابقة الباحِثَ عن طبيعة المادَّة العلمية الموجودة، مثل: كَون المادَّة العلميَّة مُتيسِّرة أو صعْبة المنال، وكَونها مُعقَّدة أو غير مُعقَّدة... والعقَبات التي تَعترِض البحث.

ما يتعلَّق بالمفاهيم:

ثالث عشَر: الاستِخدام العلميُّ الصَّحيح للمفاهيم المرتبطة بالدراسة:

1- في الجزء المتعلِّق بالمفاهيم الأساسية للدراسة أجادَت الباحِثة في عرْضِها لمفاهيم الزَّواج والأسرة، والدور والتَّنشِئة الاجتماعيَّة، والتفكُّك الاجتِماعيِّ، والتفكُّك الأُسريِّ، والطلاق؛ تميَّز عرْض الباحِثة بأنها قدَّمتْ هذه المَفاهيم وعرضَتْها على المُستوى اللُّغويِّ والاصطِلاحيِّ، ثم المُستَوى الاجتِماعيِّ، وأخيرًا المستوى الإجرائيِّ، لكننا نَأخُذ عليها الآتي:

أ - اعتمدَت الباحِثة على المفاهيم الإجرائيَّة كنُقطة انطِلاق لدراستها، وكغَيرها مِن الباحِثين أَهملَتْ تَمامًا أنه يَجب عليها قبْل أن تُحدِّد المفهوم الإجرائيَّ أن تَصلَ بنفسِها إلى المفهوم العلميِّ الذي تتبنَّاه، هذا المَفهوم العِلميُّ لا بدَّ أن تَتحقَّق فيه عدَّة شُروط؛ منها: (وضوح الجانب البِنائيِّ والوظيفيِّ - أن يَرتبط بالمَفاهيم السابِقة - أن تَصل إلى تعريفٍ مَبدئيٍّ - أن تُخضِعه للنَّقد وتُعدِّل فيه، وأن تتأكَّد مِن دقَّته وعُموميَّته)، الباحِثة اكتفتْ بعرْض مجموعة مفاهيم لبعْض العُلماء، دون أن تَضع لنا التَّعريف العِلميَّ الذي تَتبناه.

ب - هناك بعض المفاهيم يَتناقَض فيها المعنى الاجتِماعيُّ مع المعنى الشرعيِّ، مثل: مفهوم الأسرة، وما دام أنَّ الموضوع الذي تتحدَّث عنه - وهو الطَّلاق - تَحكُمه جميعَه الأبعادُ الشرعية، كان لزامًا على الباحِثة أن تُحدِّد - بوضوحٍ - الفُروقَ بين المعنى السُّوسيولوجي والمعنى الشرعيِّ.

هذه النقطة أشرْتُ إليها عند مُناقَشتي لرسالة سابِقة، حضَرتْها الباحِثة كما أبلغتْني، وكان مِن المُفترَض أن تَنتَبِه لِما أشرْتُ إليه؛ فلا تَقع في نفْس ما وقعَتْ فيه زميلتها.

ما يتعلق بالإطار النظري:

رابع عشر: أن تستند الدراسة إلى إطار نظري تنطلق منه:

نعم، انطلقَت الباحِثة مِن إطار نظَريٍّ؛ وهو النَّظريات البنائيَّة الوَظيفيَّة، والصِّراع والتفكُّك الاجتِماعيُّ، والتبادُل الاجتِماعيُّ، والدور.

خامس عشر: أن يَتناسب هذا الإطار النظَريُّ مع ثَقافة المُجتمَع الذي يَدرُسه الباحث:

لا يتناسَب هذا الإطار النظريُّ الغربيُّ مع ثقافة المُجتمَع المِصريِّ؛ ولهذا أوقَع تبنِّي هذا الإطار النظريِّ الغربيِّ الباحثةَ في تَناقُض كبير؛ فهي درسَتْ ظاهرةً قائمةً في مُجتمَع تُسيطِر عليه الثقافة الإسلاميَّة، ومقيَّدة بأحكام دينيَّة شرْعيَّة إسلاميَّة (كما جاء في الفصْل الرابع مِن الرِّسالة) في ضَوء نظريَّات وضعيَّة نشأتْ في ظلِّ مُجتمَعات غربيَّة، وفي ظروف خاصَّة لا تَنتمي إلى ثقافتِنا مِن قَريب أو بعيد.

سادس عشر: أن يكون الباحث على علْم بالقواعد التي يجب أن يضعها في الاعتِبار عند اختيار الإطار النظريِّ:

الواقع أنَّ عدَم عِلم الباحثة بهذه القواعد جعلَها تُغفِل حقائقَ بالِغة الأهميَّة، منها:

أ - أدَّى إلى أن تُغفِل الباحثة القاعدة القائلة بأنَّ "طبيعة أيِّ حقيقة هي التي تُحدِّد منهج تَناوُلها، وأسلوب التعبير عنها كذلك"؛ فالحَقيقة الماديَّة يُمكِن تَناوُلها بتَجارِب المَعمَل، والحَقيقة الرياضيَّة يُمكِن تَناوُلها بالفُروض الذهنيَّة، أمَّا الحَقيقة الدينيَّة، فهي وراء ذلك كلِّه؛ ولهذا لا بدَّ مِن تناولها بمنهج مُختلِف يتَّفق مع طبيعتها الخاصَّة بها، ويتمُّ التعْبير عنها بغير أسلوب النظريات والقَضايا الذهنيَّة التي تعالج بها باقي الحَقائق.

ب - أدَّى إلى أن تُغفِل الباحثة قاعدة أن مُحاولة فهْم ظاهِرة الطَّلاق عبْر النظريَّات الغربيَّة محكومٌ عليه بالفشَل؛ لأنَّ دقَّة نظام الأُسرة وشُموله لجزئيَّات عديدة ومُعقَّدة لا يُشجِّع أيَّ نظرية وضعيَّة على الخوض في غِمار مُناقَشة الدَّور الاجتِماعي للأُسرة، وليسَت النظريات الغربيَّة استِثناءً مِن تلك القاعدة؛ فهي تَفتقِد الصُّورة الواضِحة والمَنهج الدَّقيق الذي يُعالِج المشاكلَ الزوجيَّة في المُجتمَع، المُتمثِّلة بالأسئلة التالية: أيهما أحقُّ بالولاية القانونيَّة العائليَّة: الزَّوج أو الزَّوجة؟ وأيهما أفضَل للنِّظام الاجتِماعيِّ: نظام تعدُّد الزَّوجات أو نِظام الزَّواج المُتعدِّد؟ وأيُّهما أفضَل للنِّظام الاجتماعيِّ: زَواج الأقارب أو زواج الأباعِد؟ وأيُّهما أولى بالميراث: الأحْفاد مِن جانب الأمِّ أو الأحفاد مِن طرَف الأب؟ وأيُّهما أفضَل وأكثَر إنتاجًا للمُجتمَع الإنساني: العوائل الصغيرة أو العوائل المُمتدَّة الكبيرة التي تَضمُّ - إضافةً إلى الزَّوجَين - الأجداد والأولاد وأحفادهما؟ والفشل في الإجابة عن تلك الأسئلة المُهمَّة على الصَّعيد الاجتماعيِّ - يُعطي للعَقيدة الدينيَّة تَفوُّقًا واضِحًا على العقائد الوضْعيَّة في التعامُل مع القَضايا العائليَّة.

ج - إنَّ النظريات الغربية تَعكِس في تَحليلاتها أوضاع ومشاكل الأسرة في المُجتمَعات الغربيَّة، وليس المجتمَعات الإسلاميَّة، فحتَّى الستينيات مِن القرْن العشْرين لم تكن المرأة في النظام الغربي قادِرةً - مِن الناحية القانونيَّة - على المُشاركة في إنشاء أيِّ عقْد مِن العقود التجاريَّة دون إذْن زوجها، وفي النِّصف الثاني مِن القرْن نفْسِه وصلَتْ حالة العُنف بين الزَّوج والزَّوجة في مُجتمَع الولايات المتَّحدة إلى درجةٍ، بحيثُ وُضعَت المؤسَّسة العائليَّة على قمَّة المؤسَّسات الاجتماعيَّة التي تُمارِس العُنف والإجرام؛ فالجَرائم الجنائيَّة بين الأزواج تُمثِّل - كما ذكرْنا سابقًا - عُشر إجمالي الجَرائم الجنائية السنَويَّة، وفي كلِّ عام يُحاول أكثر مِن سبعة ملايين زوج أو زوجة إنزال الأذى بالآخَر، قتْلاً كان أو ضرْبًا مُبرِّحًا أو جَرحًا بليغًا، ويُحاول أكثر مِن مليونَي طفْل سنويًّا الاعتِداء على أمثالهم بسلاح ناريٍّ أو نحوِه بنيَّةٍ وتَصميم مُسبق للقتْل، وفي كلِّ عام يَهرُب أكثر مِن مليونَي مُراهِق مِن بيوتهم؛ بسبب الاعتِداءات الخلُقية عليهم مِن قِبَل آبائهم، وأكثر المشاكل الزوجيَّة انتشارًا في المجتمع الغربيِّ اليوم هو الاعتِداء الجسَديُّ بين الأزْواج، مع النيَّة المُسبقة بإنزال الأذى بالآخَر.

آثار تبني الباحثة للنظريات الغربية في دراستها لمشكلة الطلاق:

أ - أوقَع استِخدام الإطار النظريِّ الغربيِّ الباحِثةَ في تناولها لظاهِرة الطَّلاق في مُشكِلة كُبرى، وهي أنها عِندما حدَّدت المفهوم الإجرائيَّ الذي قرَّرت أن تُجريَ دراستها وفقًا له - تبنَّت المفهوم الغربيَّ للزَّواج دون المَفهوم الشَّرعيِّ، فقالتْ في (ص: 5): "الزَّواج عقْد مدنيٌّ بين رجل وامرأة، غايَته إنشاء أُسرة صَحيحة البِناء...."، في حين أنَّ الفُروق بين العقْد المدَنيِّ والعقْد الشَّرعيِّ فُروق جوهريَّة؛ وذلك على النحو التالي:

يُطلَق "الزَّواج المدَني" على الزَّواج الذي يَخضَع في إنشائه، وانحِلاله، وآثاره، وشروطه إلى مفهوم القانون المدَني ومنَظومتِه؛ تمييزًا له عن الزَّواج الكنَسي (أو الدِّيني) الذي يتمُّ في الكَنيسة.

مُصطَلح الزَّواج المدَنيِّ مُرتبط بنشأة القانون المدَني، والقانون المدني هو القانون الذي كان يَحكُم مدينة روما ومَن فيها، فهو إذًا عبارة عن فرْعٍ للْقانون الرُّومانيِّ القَديم الذي كان مُطبَّقًا في الإمبراطورية الرومانيَّة.

الزواج المدَنيُّ ليس مجرَّد عقْد إيجابٍ وقَبول بين اثنين، بل عِبارة عن نظام كامِل يُنظِّم العَلاقة بين الرجل والمرأة، بمعنى أنَّ الزَّواج المدنيّ ليس اتِّفاقيَّة زواج فحسْب، بل هو اتِّفاقيَّة زواج، ونسَب، ونفَقة، ومِلكيَّة، وإرْث، وبُنوَّة، وحَضانة، وطَلاق.

عقْد الزَّواج في الإسلام هو عقْد خاصٌّ بالزَّواج لا يتعدَّاه إلى غيره، ولا تَشمَل أحكامه أحكامَ غيره، ‎وأما النسَب والنفقة والملكية والإرْث والبُنوَّة والحَضانة والطَّلاق، فهي أبواب مُنفرِدة، ولكلٍّ منها أحكام مُعيَّنة خاصَّة به لا تَشمل غيرَه.

يُحدِّد عقْد الزَّواج في الإسلام صيغةَ العقْد وشُروطه وأركانه، والزَّواج المدَني يُهمِل هذه الأمور؛ فلا يُحدِّد صيغة العقْد؛ مِن حيث لفْظ الإيجاب والقَبول، ومِن حيث اشتِراط الولي، ومِن حيث المهْر، وهذه الأمور تَهدِم العقد عِند فِقدانها أو تُفسِده.

لا يُبيح عَقد الزَّواج في الإسلام تزوُّج المُسلِم إلا مِن مُسلمة أو كتابيَّة، كما يَشترط في الرجل حتَّى تَنكحه المرأة المسلمة أن يكون مُسلمًا لا غير، ‎فيَمنع أن تتزوَّج المرأة المسلمة كافرًا، سواءٌ أكان كتابيًّا أم غير كتابيٍّ، فزواج المسلم بالكافرة غير الكتابيَّة كالمجوسيَّة والبوذية والشيوعيَّة والمُلحِدة، وزواج المسلمة بالكافر مُطلقًا - زواجٌ باطل لا يَنعقِد، والزَّواج المدني وَفق القانون المدني الوضْعي يجعل هذا الزواجَ صحيحًا؛ فهو بذلك يخالف أحكام الإسلام.‎

يَشترط الشرْع لصحَّة الزَّواج إذا انعقَد شرعًا شرطَين: أحدهما أن تكون المرأة محلاًّ لعقْد الزَّواج؛ أيْ ألا تَكون مُحرَّمة على الرجل، والزواج المدنيُّ يُهمِل هذه الناحيَة وَفق تَصوُّر الإسلام للمَحارم، والشرط الثاني هو حُضور شاهِدَين مُسلِمَين بالِغَين عدْلَين فاهِمَين الغرض مِن العقْد، والزَّواج المدَني لا يَشترِط الإسلام في الشاهِدَين.

ب - أنْ تُغفِل الباحثة إغفالاً تامًّا تأثير الطَّلاق على أهمِّ سِمَة مِن سمات المُجتمع المصريِّ، وهي سِمة التديُّن، والغَريب أنَّ ما أغفَلتْه الباحِثة اهتمَّ به باحِثون غربيُّون.

هناك دِراسة بعُنوان "تأثير الطلاق على تديُّن الأبناء"، أجْرى هذه الدِّراسة: "جيكسيا إليسا" و"كريستوفر إليسون" و"ونورفان جلين" و"إليزابيث ماركاردت"، يقول هؤلاء الباحثون: "على الرغْم مِن أنَّ مُعظم دراسات آثار الطَّلاق على الأبناء اهتمَّت ببيان هذه الآثار على نُموِّ الأبناء، وتدْهوُر تَحصيلهم الأكاديميِّ، وحراكهم الاقتصاديِّ الاجتماعيِّ، ومشاكلِهم السلوكيَّة والصحية والعقليَّة، فإنَّ دراسات قليلة جدًّا هي التي اهتمَّت بتأثير الطَّلاق على حياتهم الدينيَّة والرُّوحيَّة، خاصَّةً حينما يَصِلون إلى مرحلة البلوغ، ولُوحِظ أنَّ الطَّلاق قد تَرَكَ تأثيرَه على هذا الجانب بشدَّة عند الأبناء، وخاصَّة على أدائهم للصَّلوات فرديًّا أو جماعيًّا، وقُربهم مِن الله.

وهناك دراسة أُخرى أجراها: "ميرسيدس ويلسون " على الأُسَر المُسلمة والكاثوليكيَّة المسيحية بعنوان: "مقارنة مُعدَّلات الطَّلاق بين الأزواج والزوجات الذين يلجؤون إلى تَنظيم النسْل الطبيعيِّ، وهؤلاء الذين يَستخدِمون وسائل منْع الحمْل الصناعيَّة"، وقد وجدتْ هذه الدراسة أنَّ الأزواج والزَّوجات الذين يلجؤون إلى تنظيم النسْل الطبيعي تقلُّ مُعدَّلات الطَّلاق لدَيهم بشدَّة، ويَعيشون حياةً زوجيَّة سعيدةً، وحياتهم اليوميَّة تتميَّز بالرِّضا، وعلاقاتهم الحميميَّة قويَّة، ولديهم عدد أكبر مِن الأطفال، وهم أكثر تديُّنًا مِن غَيرهم، كما يَتميَّزون بقوَّة مَنظوراتهم الأخلاقيَّة والتقليدية، ومِن غير المُحتمَل بل يَكاد يَمتنِع عنهم اللجوء إلى الإجهاض، ونادرًا ما تَحدُث عندهم الخيانات الزوجيَّة.

ج - أن تُهمِل الباحثة إهمالاً تامًّا الأسباب غير "الإمبيريقية"، التي هي رأس الدِّين ويَرفُضها عِلم الاجتماع ولا يَعترِف بها؛ لأن الدراسة "الإمبيريقية" لا تَعترِف إلا بما هو حسِّيٌّ، فكلُّ ما هو غَيبِيٌّ هو غير عِلميٍّ بالنسبة لعِلم الاجتماع، في حين أنَّ الإيمان بالغيب في الإسلام هو مِن أساسيات الإسلام؛ يقول الله تعالى في أوَّل سورة البقرة: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 1 - 3]، وثبَت في الصَّحيح عن جابر عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ إبليس يَنصِب عرشَه على البحر، ويَبعث سراياه، فأقربهم إليه منزلةً أعظمُهم فتنةً، فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلتُ به حتَّى فعَل كذا، حتَّى يأتيه الشيطان فيَقول: ما زلتُ به حتَّى فرَّقْتُ بينه وبين امرأتِه، فيُدنيه منه، ويقول: أنتَ، أنت، ويَلتزِمه))، وقد قال تعالى في ذم السِّحْر: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: 102]، اتِّباع النظريات الغربية يَجعل الباحِثين يَرفُضون الاعتراف بأنَّ هُناك كائناتٍ غيرَ مرئيَّة لها دورها في حركة التفاعُلات بين البشَر، ويَعتبِرون أنَّ ذلك غير عِلميٍّ، وفي هذا هدْم للدِّين؛ فالله تعالى غَيبٌ، والملائكة غَيبٌ، والجنَّة غَيبٌ، والنار غَيب، وعَذاب القبر غيبٌ... إلخ.

د - أكبر خطأ وقعَتْ فيه الباحثة بسبب الإطار النظريِّ الغربيِّ، أنها أوحَتْ إلى القارئ بأنَّ الطلاق هو الأصْل، وأنَّ كل الجُهود يجب أن تُبذَل لعلاج آثاره، وليس الأصْل هو بناء الزَّواج على أساس صَحيح؛ حتَّى لا يقع الطلاق، وهذا يُذكِّرنا بأنَّ جهود مراكز البحوث الغربية عن مرَض الإيدز كانت مُنصبَّةً على مُحاوَلة علاجه بعد أن يقَع، دون مُحاولة القضاء على أسبابه، وأتصوَّر أنَّ السبب يَكمُن في النظريات الغربية التي ارتكنَتْ إليها الباحثة، ولو أنَّ الباحثة كوَّنتْ لها إطارًا مُستَوحى مِن المَصادِر الشرعيَّة بنفْس الطَّريقة التي تناوَلتْ فيها أحكام الطلاق، لقدَّمت لنا عمَلاً قيِّمًا.

إنَّ أهمَّ أسباب الطَّلاق هو أنَّ بناءه لم يقمْ على تقوى مِن الله، بدْءًا مِن الخِطبة حتَّى إتمام الزواج؛ فمُعظم هذه الإجراءات تكون مُخالِفة لشرْع الله تعالى، إلا ما رَحِمَ الله، والله تعالى يقول: ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ [التوبة: 109]، فالزَّواج بناءٌ، وأساسه المتين هو تقوى الله - عز وجل - فإذا قام الزَّواج على هذا الأساس، أصبَح هو الأصل الذي يَرجعُ إليه الزَّوجان إذا اختَلفا؛ حتَّى لا يقَع الطَّلاق، إذا غَضِب الرجل مِن زوجتِه وهمَّ بأنْ يَرميَ عليها يَمين الطلاق، قام وتوضَّأ وغيَّر مَجلِسَه، وتذكَّرَ قَول رسوله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((لا يَفرَك مؤمن مؤمنةً؛ إذا لم يرْضَ منها بخلُق رَضِيَ بآخَر))، وإذا انهمَك في عمَلِه وأهمَل زوجتَه وأكَل لِيَنام؛ ذكَّرتْه بأنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يُضاحِك زوجاتِه ويُسامِرهنَّ قبْل أن يَنام، وإذا قصَّرتْ في أداء واجباتها، ذكَّرها بأنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يقول لعائشة: ((يا عائشة، اسْقينا، يا عائشة أطْعِمينا))، وإذا طلَب منها طلبًا كان بإمكانه أن يَفعله ولم تَقمْ به، ذكَّرته بأنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يَخصِف (يُصلِح) نعْلَه، ويَخيط ثَوبه، ويعمل في بيتِه كما يَعمَل أحدُكم في بيتِه.

ما يتعلق بمنهج الدراسة:

سابع عشر: تَناسُب تساؤلات الدِّراسة وفُروضها مع نوعيَّة البحْث وطَبيعته:

الواقع أنَّ تساؤلات الدراسة تُفيد عادةً في مرحلة البُحوث الوصفيَّة أو التقويميَّة في مرحلة الماجِستير، وفي مرحلة "الدكتوراه" يتمُّ استخدام الفروض.

صاغَت الباحِثة فُروضَها على أساس وجود العَلاقة العكسيَّة بين المُتغيِّرات، والواقِع أنه ليستْ هُناك مُشكلة في الطَّريقة التي صاغتْ بها الباحِثة فُروض دراستِها، لكنَّنا ننبِّه الباحِثين إلى أنَّ هُناك أنواعًا مُتعدِّدة مِن صياغة الفُروض، وأكثر هذه الفُروض دقَّةً هي الفُروض الإحصائيَّة، ومنها الفرْض الصِّفريُّ أو العدَميُّ، مثل: أنه لا تُوجَد فروق بين المتغيِّر المستقلِّ والمتغيِّر التابع (فرْض عدَم التغيُّر)؛ أيْ: لا توجد فُروق (عَلاقة) دالَّة إحصائيًّا (بين) مُتغيِّرات الدِّراسة، وهناك الفرْضيات الموجَّهة، وتعني أنه: توجد فروق (علاقة) دالة إحصائيًّا (بين) مُتغيِّرات الدراسة.

ثامن عشر: أن يتَّفق منهج البحث وأدواته مع مُشكلة البحْث وأهدافه:

الواقِع أنَّ الباحِثة حقَّقتْ هذا المعْيار، خاصَّةً وأنها استعانتْ بالمنهج الوصْفيِّ، واعتمدَتْ على أسلوب المسْح الاجتِماعيِّ عن طَريق الحصْر الشامل، كما رجعَتْ إلى السجلات الرسميَّة الخاصَّة بقَضايا الطَّلاق في محكمة الأُسرة، واستَخدمتِ الباحِثة كذلك منهَجَ دراسة الحالة، واعتمدت في أدوات الدِّراسة على الاستبيان والمُقابَلة.

تاسع عشر: في حالة استِخدام الباحِث أكثر مِن مَنهَج في دِراستِه، فيَجب عليه أن يَلتزم بكلِّ مُتطلبات هذا المنهج:

استخدمَت الباحثة في دراستها منهج دراسة الحالة (........)، والذي لا شكَّ فيه أنَّ الباحِثة أحسَنتْ حينما استَخدمتْ منهج دراسة الحالة إلى جانب الدراسة الوصفيَّة التي قامت بها، وهذا يَعني إدراكَها لأهميَّة تكامُل المناهِج في الدراسات الاجتماعيَّة، وإدراكها أنَّ أجزاء الظَّواهر الاجتماعية ليستْ علاقةً آليَّةً ميكانيكيَّةً، وأنَّ هُناك حاجة إلى تحليل الظاهِرة بمُحاوَلة تَبسيطها وفهْمِها، وكذلك الحاجة لوجود إطار تردُّ إليه العناصِر التي تُحلِّلها؛ حتَّى لا تَفقِد هذه العناصر أهميَّتها ودَلالتها، كما أثبتَت الباحِثة باستِخدامها لهذا المنهَج أنَّه لا تَعارُض هناك بين استِخدام دراسة الحالة والإحصاء في البحْث الاجتِماعيِّ، وأنَّ كلَيهما لازمٌ للآخَر ومُكمِّل له.

لكنَّها - الباحِثة - لم تُوفَّق في استِخدامها لهذا المنهج في مُراعاة كلِّ مُتطلَّباته؛ وذلك على النحو التالي:

أ - إنَّ منهج دراسة الحالة يتطلَّب دراسة جميع الجوانب المُتعلِّقة بدراسة الظَّواهِر والحالات الفرديَّة، ويتَّجه إلى جمْع البيانات العمليَّة والحَقائق التفصيليَّة بغرَضٍ ما أو مَوقِف مُعيَّن.

ب - يَستخْدم منهج دراسة الحالة كلَّ ما تَستخدِمه المناهج الأخرى مِن وسائل لجمْع البيانات؛ للاستِفادة منها في التَّشخيص؛ حتَّى يَستطيع الباحِث أنْ يُكوِّن نظْرةً كليةً شامِلةً على الحالة التي يَدرُسها والحالات المُشابِهة لها.

ج - يَهتمُّ منهج دراسة الحالة بدِراسة الماضِي كمؤثِّر أساسيٍّ في إظهار الحالة في الزمن الحاضِر وتَوقُّعاتها المُستقبليَّة؛ مما يُساعِد على تَفسير السلوك كما هو عليه في وقْت إجراء الدراسة.

ولهذا؛ نأخُذ على الباحِثة أنَّ الحالات العشْر التي درسَتْها، درستْها مِن زاويتَين اثنتَين فقطْ؛ هما: أسباب الطَّلاق، والمُشكلات التي تُواجِه المُطلِّق بعد الطَّلاق، ودرسَتْ كلَّ حالة على أنها حالة مُستقلَّة بذاتها، مُنفصِلة عن الحالات الأُخْرى، ومُنفصِلة تمامًا عن نتائج الدِّراسة التي كشفَتْ عنْها الإحصاءات، في حين أنَّ المَقصود مِن استِخدام دِراسة الحالة هو كشْفُ ما عجز عن تَفسيره بالطُّرق الإحصائيَّة، بمعنى أنَّ الباحِثة فصَلَتْ بين مَنهَج دراسة الحالة والنتائج الإحصائيَّة التي استخدمتْها، وبالتالي فقَدَ هذا المنهجُ أهم مُبرِّر لاستِخدامه.

وأشهَر مِثال تَقليديٍّ على ذلك هو دراسة "بولين يونج" عن الأبناء الجانِحين في إحدى الجَماعات الرُّوسية، وتوصَّلت الدِّراسة إلى ارتفاع نسبة الانحِراف بين أبناء هذه الجَماعة، وفسَّر الباحِثون هذه النتيجة في ضَوء المُعامَلات الإحصائيَّة فقط، ولمَّا استخدَم الباحِثون منهَج دراسة الحالة تبيَّن لهم أنَّ أسباب الانحِراف تَعود إلى عوامِل أُخرَى غير التي حدَّدتْها العوامِل الإحصائيَّة، ولو أنَّ الباحِثة ربطَتْ بين منهج دراسة الحالة والمُعالَجات الإحصائيَّة، لتوصَّلت إلى نتائج في غاية الأهميَّة.

المنهج الإحصائي:

عشرون: سلامة وقوَّة المنهج الإحصائيِّ المُستخدَم في الدراسة:

لنا في هذا الأمر عدَّة مُلاحَظات:

تقول الباحِثة: إنها استخدَمت العَديد مِن الأساليب الإحصائيَّة المُناسِبة عن طريق الـ "spss" الحزَم الإحصائيَّة للعلوم الاجتماعية، لكنَّ المُلاحظَ هو أنَّ الباحِثة لم تُعطِ الجانب الإحصائيَّ في رسالتها حقَّه، ويُخيَّل إليَّ أنها كانت تُحاول التهرُّب منه.

الدليل على ذلك الآتي:

أ - مِن المعروف أنَّ المَفاهيم الاصطلاحيَّة أو الإجرائيَّة تُعرَف بالمُتغيِّرات التي يَسعى الباحِث في دراسته إلى الوقوف على العَلاقات فيما بينها، ويُعالج الباحث هذه المُتغيِّرات مِن زوايا ثلاث؛ هي: زاوية الاستِقلاليَّة والتبعيَّة، وزاوية النَّشاط والثبات، وزاوية الاستمرارية والانقِطاع.

هُناك المتغيِّر المُستقلُّ والمُتغيِّر التابع؛ فالطَّلاق مُتغيِّر مُستقلٌّ، والأدوار الوظيفيَّة للأُسرة مُتغيِّر تابع.

وهُناك المُتغيِّرات التي يَسعى الباحِث إلى استِبعادها، وتُسمَّى بالمُتغيِّرات الدَّخيلة، أمَّا المُتغيِّرات التي يُعالِجها الباحِث، فتُسمَّى بالمُتغيِّرات النَّشِطة، وهُناك ما يُعرَف بالمُتغيِّرات الثابتة؛ مثْل: الجنْس، والسنِّ، والمُستوى التَّعليميِّ، وهُناك ما يُسمَّى بالمُتغيِّرات المُستمرَّة؛ مثْل: مُستوى التَّعليم (أمِّي، مُتوسِّط، ثانويٍّ، عالٍ)، وهناك مُتغيِّرات اسميَّة؛ مثْل الجنْس ذكر، وأُنثى... إلخ، المُلاحَظ أنَّ الباحِثة استَخدمتْ في دراستها مُعظَم هذه المتغيِّرات استخدامًا جيِّدًا، لكنَّها تجنَّبت الإشارة إليها على أنها مُتغيِّرات؛ مما أضْعَف الشكليَّة المنهجيَّة للدِّراسة.

ب - تَنطوي عمليَّة تَحليل البيانات على خمْس خُطوات؛ هي: (تَصنيف أو تكوين فئات للبيانات - ترميز المادَّة الخام - جدْوَلة البَيانات - التَّحليل الإحصائيُّ للبيانات - استِخلاص النتائج والعَلاقات السببيَّة بين المُتغيِّرات).

المُلاحَظ أنَّ الباحِثة نجحَتْ تَمامًا في تَنفيذ الخُطوات الأرْبع الأولى، ثمَّ توقَّفتْ، ولم تَقمْ بأهمِّ خُطوة، وهي استِخلاص النتائج والعَلاقة السببيَّة بين المُتغيِّرات، اكتَفت الباحِثة في الفصْل السابع مِن الرِّسالة بعرْض الجَداول التَّكراريَّة، فعرضَتْ واحدًا وخَمسين جدْولاً تَكراريًّا، وبعْد كل مجموعة مِن الجداول التَّكراريَّة تقول: "وتؤكِّد النتائج صحَّة الفرْض القائل بأنَّ هُناك عَلاقة كذا بين الطَّلاق وكذا..."، ومِن المعروف مِن الناحية المنهجيَّة أنَّ الجدْول التَّكراريَّ يُوحي بوجود عَلاقة فقطْ بين مُتغيِّرَين، لكنَّه لا يؤكِّد وجود ارْتباط بينهما، ولا يُزوِّدنا بقياس له؛ لأنَّه يَقتصر على وصْف الأمور المحسوسة كما هي، والذي يؤكِّد ذلك هو اختبارات الارتباط أو اختبارات التبايُن، التي هي خُطوة مُتقدِّمة عن خُطوة وصْف المحسوس، وتُبحِر في عالم الاستنتاج، تؤكِّد نوعًا مِن العَلاقة بين مُتغيِّرَين عن كَون أحدهما سببًا في حُدوث الآخَر، وهُناك أنواعٌ مُتعدِّدة مِن المُعادَلات لاختِبارات الارْتباط لم تَستخدمْها الباحِثة مُطلَقًا؛ مثْل المُتوسِّطات الحسابيَّة، والانحِراف المِعياريِّ، معامل بيرسون، معادلة كوبر لحِساب نسْبَة اتفاق المُحكمين، والرسوم البيانيَّة.

واحد وعشرون: أن تُشير نتائج البحث إلى أهميَّة جوانب تَطبيقيَّة يُمكِن الاستِفادة منها مُستقبَلاً أو تَطبيقُها:

لم تُشِر الباحِثة إلى ذلك بطريقة مباشرة.

ثاني وعشرون: أن تتضمن الرِّسالة فصلاً أو مبحثًا خاصًّا تحت عنوان المناقشة :discussion وفيها يُناقِش الباحِثُ النتائجَ التي توصَّل إليها في ضوء نتائج الدِّراسات السابقة، والمُسلَّمات الأُخرى أو الفرضيَّات التي لا تَزال في حاجة إلى الاختبار؛ وذلك بعقْد مُقارَنات بين نتائج البحْث ونتائج الدِّراسات السابِقة. وفيها يُنبِّه الباحث بنفْسِه إلى بعض الأخطاء المنهجيَّة التي ربما أثَّرت في نتائج بحثه، وأنْ يُقدِّم فيها بعض التبرير للنتائج التي توصَّل إليها.

لم تتضمَّن رسالة الباحثة هذا الفصْل أو المبحث الخاص، ولكنَّها ناقشَتْ فقطْ نتائج دراستها بنتائج الدِّراسات السابقة، كما أشرْنا إلى ذلك سابقًا.

ثالث وعشرون: أن يَكون عرْض مُلخَّصِ الرِّسالة متمشِّيًا مع الطَّريقة العِلميَّة الصَّحيحة:

نعم، نَشهد لها بذلك، فالمُلخَّص مُحدَّد به أهداف البحْث وإجراءاته، وأهمُّ النتائج التي توصَّلت إليها الباحِثة باستِثناء أنها لم تذكر شيئًا عن العيِّنة، وهو بصفة عامَّة غير مُطوَّل، ولا يَزيد عدد كلماته عن ٢٥٠ كلمة بكثير.

رابع وعشرون: أن يُقدِّم الباحِث في توصياته المُتعلِّقة بالجانب النظَريِّ مُقترَحات تَدور حول الأبحاث المستقبليَّة التي قد تُسهِم في تَنمية المَعرفة في تطويرها في مجال البحْث:

الواقع هو أنَّ الباحِثة في تَوصياتها أغفَلتْ هذه النُّقطة تَمامًا، ولم تُقدِّم للقارئ هذه المُشكلات التي تَكشَّفتْ لها، والتي تحتاج إلى دراسة أو مُتابَعة أو استِكمال، اكتفَت الباحثة بتقديم توصيات مُرتبِطة فقطْ بنتائج البحث التَّطبيقي، وهي توصيات مَعقولة وغير خياليَّة تُحسَب لها.

خامس وعشرون: أن يَكون توثيق المَراجِع توثيقًا صحيحًا:

لُوحِظ أنَّ الباحِثة نجحَتْ في ذلك بنِسبة كبيرة، ولكنَّها لم تتَّبع الطَّريقة الصَّحيحة في تَوثيق المعلومات التي حصَلتْ عليها مِن شبَكة "الإنترنت".

ونُنبِّه هُنا إلى نقطة مُهمَّة؛ وهي أنَّ كثيرًا مِن الباحِثين يَنقُلون المراجع المكتوبة بالإنجليزيَّة في حاشِيَة المَراجِع التي اعتَمدوا عليها في دِراستهم، ويَضعُونها في قائمة المَراجِع الخاصَّة بالرِّسالة؛ حتَّى يَزيدوا مِن عدَد المَراجِع المَكتوبة بالإنجليزيَّة، بعض الباحثين يَفعلون ذلك؛ اعتقادًا منهم بأنَّ هذا الأمر صَحيح، والبعض الآخَر يَفعل ذلك عمْدًا، والواقع هو أنَّ هذه سَرِقة عِلميَّة يُحاسَبون عليها قانونًا، بالإضافة إلى أنها عَمل لا أخلاقي، ونحن لا نتَّهم الباحِثة بأنها قامتْ بذلك الفعل، ولكنَّنا نَلفِت نظَر الباحِثين الموجودين في هذه القاعة إلى ضَرورة الانتِباه إلى هذه النُّقطة.

تطبيق قواعد تحكيم المواد العلمية على رسالة: (الطلاق والدور الوظيفي للأسرة المصرية) (2024)

References

Top Articles
Latest Posts
Article information

Author: Pres. Lawanda Wiegand

Last Updated:

Views: 6221

Rating: 4 / 5 (51 voted)

Reviews: 82% of readers found this page helpful

Author information

Name: Pres. Lawanda Wiegand

Birthday: 1993-01-10

Address: Suite 391 6963 Ullrich Shore, Bellefort, WI 01350-7893

Phone: +6806610432415

Job: Dynamic Manufacturing Assistant

Hobby: amateur radio, Taekwondo, Wood carving, Parkour, Skateboarding, Running, Rafting

Introduction: My name is Pres. Lawanda Wiegand, I am a inquisitive, helpful, glamorous, cheerful, open, clever, innocent person who loves writing and wants to share my knowledge and understanding with you.